عبد القاهر الجرجاني

33

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

يُكْثِر في غيرِ تَحصيل ، وأن يُحسِّن البناءَ على غيرِ أساسٍ ، وأن يقولَ الشَّيءَ لم يَقْتُلْه عِلْماً . ونَسْأل اللهَ الهدايةَ ونرغَبُ إليه في العصمة . ذم عبد القاهر لأهل زمانه : 25 - ثم إنا وإِنْ كنا في زمانٍ هو على ما هو عليهِ مِنْ إحالةِ الأُمور عن جِهَاتها 1 ، وتَحْويلِ الأشياءِ عن حالاتِها ، ونَقْلِ النفوسِ عن طِبَاعها ، وقَلْبِ الخَلائقِ المحمودةِ إلى أضدادها 2 ، ودهر ليس لفضل وأهلهِ لديهِ إلا الشرُّ صِرْفاً والغَيْظُ بَحْتاً ، وإلاَّ ما يُدهِشُ عقولَهم ويسْلُبُهم مَعْقولَهم ، حتى صار أَعجزُ الناس رأياً عندَ الجميع ، مَنْ كانت له هِمَّةٌ في أن يَسْتَفِيدَ عِلْماً ، أو يَزْدادَ فَهْماً ، أو يَكْتَسب فَضْلاً ، أو يَجْعلَ له ذلك بحالٍ شُغْلاً ، فإنَّ الإلْفَ من طِباع الكريم 3 . وإذا كانَ مِنْ حَقِّ الصديقِ عليكَ ، ولا سيَّما إذا تقادمَتْ صُحْبتُه وصحَّتْ صداقَتُه ، أن لا تَجْفُوَه بأن تَنْكُبَكَ الأيامُ ، وتُضجِرَك النوائب ، وتخرجك محن الزمان ، فتتنا ساه جُملةً ، وتَطْويَه طَيَّا ، فالعِلْمُ الذي هوَ صديقٌ لا يَحُول عنِ العَهد ، ولا يَدْغِلُ في الوُدِّ 4 ، وصاحِبٌ لا يَصِحُّ عليه النكْثُ والغَدْر ، ولا تظن به الخيانة والمكر أولى منك بذلك وأجدر 5 ، وحقه عليك أكبر .

--> 1 إذا كان عبد القاهر في زمانه يقول ما يقول في هذه الفقرة ، فماذا نقول نحن في زماننًا هذا ؟ 2 في " س " : " الحقائق المحمودة " ، سهو فيما أرجح . وقوله بعد : " دهر " ، معطوف على قوله قيل : " في زمان " . 3 في هذا السايق حذف ، لوضوح المراد منه . والسياق : " ثم إنا ، وإِنْ كنا في زمانٍ هو على ما هو عليه من الإحالة . . . . ودهر ليس للفضل وأهله إلا الشر . . " ، " فإنا نلزم استفادة العلم واكتساب الفضل " ، فإن الإلف من طباع الكريم . 4 " الدغل " الفساد والريبة ، و " أدغل في الشيء " ، أدخل فيه ما يفسده " رشيد " . 5 في المطبوعة : " أولى منه " .